لعقود طويلة، كانت ليبيا واحدة من أعظم قصص السياحة غير المستغلة في منطقة البحر الأبيض المتوسط. فهي موطن لبعض من أفضل المدن الرومانية المحفوظة في العالم، ومناظر طبيعية صحراوية خلابة، وتقاليد ثقافية عريقة، وقد بدت البلاد في يوم من الأيام وكأنها مُهيأة لتصبح واحدة من أهم الوجهات السياحية في شمال إفريقيا.
بدلاً من ذلك، أدت سنوات من العزلة الدولية والثورة والصراع الأهلي والتشرذم السياسي إلى تحويل السياحة من قطاع اقتصادي واعد إلى واحدة من أكبر الفرص الضائعة في ليبيا.
والآن، وفي خضم الجهود الحذرة لتحقيق الاستقرار في أجزاء من البلاد، بدأت السلطات الليبية في اختبار نهج مختلف - ليس من خلال حملات تسويقية دولية واسعة النطاق، ولكن من خلال مبادرات ثقافية محلية تهدف إلى إعادة ربط مناطق البلاد وإعادة بناء الثقة من الداخل.
أحدث مثال على ذلك هو الإعلان عن قافلة السياحة الثقافية والفنية على مستوى البلاد، وهي مبادرة متواضعة ولكنها ذات أهمية رمزية تعكس جهداً أوسع لإحياء قطاع السياحة في ليبيا.
بلد بُني للسياحة
قلة من الدول تمتلك تنوعاً في الموارد السياحية يضاهي ما تمتلكه ليبيا.
تمتد ليبيا لمسافة تقارب 2,000 كيلومتر على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، بينما تمتد في عمق الصحراء الكبرى، وهي تجمع بين علم الآثار الكلاسيكي، ومغامرات الصحراء، والتراث الإسلامي، والثقافات الأصلية الحية.
ومن بين أبرز معالمها مواقع التراث العالمي لليونسكو في لبدة الكبرى، وصبراتة، وقورينا، والمدينة القديمة في غدامس، وفن الصخور الذي يعود إلى عصور ما قبل التاريخ في تادرارت أكاكوس.
قبل الاضطرابات التي شهدها العقدان الماضيان، كان مخططو السياحة الدوليون يصفون ليبيا في كثير من الأحيان بأنها واحدة من أكثر الوجهات "الخفية" الواعدة في البحر الأبيض المتوسط.
افتتاح بطيء قبل عام 2011
خلال معظم فترتي السبعينيات والثمانينيات، ظل قطاع السياحة يمثل أولوية وطنية منخفضة.
أدت العقوبات الدولية، ومحدودية الربط الجوي، وسياسات التأشيرات التقييدية إلى الحد من أعداد الزوار، في حين كان اقتصاد البلاد يعتمد بشكل كبير على صادرات النفط.
بدأ الوضع يتغير خلال أواخر التسعينيات والعقد الأول من الألفية الجديدة بعد تخفيف العقوبات الدولية وإعادة فتح ليبيا تدريجياً أمام الزوار الأجانب. وضعت السلطات خططاً رئيسية للسياحة، وشجعت الاستثمار الفندقي، وروّجت للسياحة الأثرية التي تركز على التراث الروماني واليوناني للبلاد. كما توسعت خطوط الطيران المباشرة، وأدرج منظمو الرحلات السياحية الأجانب ليبيا بشكل متزايد ضمن برامجهم السياحية الثقافية المتخصصة.
على الرغم من أن أعداد الزوار ظلت متواضعة مقارنة بتونس أو مصر المجاورتين، إلا أن مراقبي الصناعة يعتقدون أن ليبيا تمتلك إمكانات هائلة على المدى الطويل.
الثورة تغير كل شيء
انهارت تلك التوقعات في عام 2011.
سرعان ما تحولت الانتفاضة التي أطاحت بمعمر القذافي إلى حالة من عدم الاستقرار المطول الذي دمر صناعة السياحة.
أدت جولات متتالية من الانقسام السياسي والصراع المسلح وانعدام الأمن إلى تحذير معظم الحكومات من السفر إلى ليبيا. وخفضت شركات الطيران الدولية خدماتها، وتوقف الاستثمار السياحي، وانخفض عدد زوار المواقع الأثرية، بينما أصبحت صيانتها أكثر صعوبة.
الفنادق التي كانت تتوقع نمو أعمالها الدولية واجهت بدلاً من ذلك سنوات من عدم اليقين.
خلال معظم العقد التالي، اختفت السياحة فعلياً من المشهد الاقتصادي لليبيا.
إعادة بناء تدريجية
منذ عام 2023، سعت الحكومة الليبية المعترف بها دولياً إلى إعادة السياحة إلى جدول الأعمال الاقتصادي الوطني.
سعت وزارة السياحة والصناعات التقليدية إلى إبرام اتفاقيات تعاون مع دول من بينها تونس وتركيا وباكستان والصين وإيطاليا، إلى جانب المشاركة في منظمات السياحة الإقليمية واستكشاف الفرص المرتبطة بالسياحة الساحلية المستدامة و"الاقتصاد الأزرق".
كما قام المسؤولون بتشجيع الصناعات التقليدية والحرف اليدوية والحفاظ على التراث كجزء من استراتيجية أوسع لتنويع الاقتصاد بما يتجاوز المواد الهيدروكربونية.
في حين أن أعداد الزوار الدوليين لا تزال صغيرة نسبياً وتستمر المخاوف الأمنية في الحد من السفر، فإن هذه المبادرات تشير إلى أن السياحة قد عادت إلى التخطيط الحكومي بعد سنوات من الإهمال.
قافلة ثقافية كخطوة أولى
بدلاً من إطلاق حملة سياحية دولية، تركز أحدث مبادرة لليبيا أولاً على السياحة الداخلية.
وزير السياحة والصناعات التقليدية نصر الدين ميلاد الفزاني التقى مؤخراً بوزير الثقافة وتنمية المعرفة سالم العالم في مقر وزارة السياحة في طرابلس لوضع اللمسات الأخيرة على خطط مشتركة قافلة السياحة الثقافية والفنية.
من المقرر أن تنطلق القافلة من زوارة في نهاية شهر يوليو وتتجه شرقاً عبر البلاد، وتهدف إلى تعزيز التعاون بين المناطق الغربية والجنوبية والشرقية في ليبيا مع إبراز الهوية الثقافية للبلاد.
سيتضمن البرنامج ما يلي:
- فرق الأداء الشعبي من غدامس وغات.
- موسيقيون وفنانون وكتاب.
- معارض الكتب المتنقلة.
- العروض المسرحية والفنية.
- معارض التراث والحرف اليدوية.
- زيارات للمواقع الأثرية والوجهات السياحية.
- أنشطة مصممة لتشجيع السفر الداخلي.
ويقول المسؤولون إن المبادرة لا تهدف فقط إلى تعزيز السياحة، بل تهدف أيضاً إلى تعزيز التماسك الوطني من خلال تشجيع التبادل الثقافي بين المناطق الليبية المتنوعة.
وفي ختام اجتماعهما، وصف الوزيران القافلة بأنها مثال على التعاون المؤسسي الذي يدعم الهوية الوطنية والتواصل الثقافي والتنمية المستدامة.
أكثر من مجرد سياحة
لا تكمن أهمية القافلة في عدد الزوار الذين قد تجذبهم بقدر ما تكمن في ما تمثله.
تعتمد صناعات السياحة الناجحة على المؤسسات العاملة، ووسائل النقل الموثوقة، والحفاظ على التراث الثقافي، وثقة الجمهور.
من خلال تشجيع الليبيين على زيارة المواقع الأثرية والفعاليات الثقافية والمدن التاريخية داخل بلادهم، يبدو أن السلطات تتبنى استراتيجية "الأولوية للداخل" تدريجياً قبل محاولة إعادة بناء السياحة الدولية.
إنه نهج مختلف بشكل ملحوظ عن خطط الاستثمار الطموحة التي نوقشت قبل عام 2011.
التحديات لا تزال قائمة
على الرغم من النشاط المتجدد، تواجه ليبيا عقبات كبيرة أمام انتعاش السياحة الدولية.
لا تزال الأوضاع الأمنية غير متساوية في جميع أنحاء البلاد، وتستمر العديد من الحكومات في تقديم النصائح بعدم السفر غير الضروري، وتتطلب البنية التحتية مزيدًا من الاستثمار، ويحتاج قطاع الضيافة إلى سنوات من إعادة البناء.
لا تزال إجراءات التأشيرة وروابط النقل والحفاظ على التراث من المجالات التي تتطلب اهتماماً مستمراً.
المنافسة شديدة بنفس القدر، حيث تجذب الوجهات المجاورة مثل تونس ومصر والمغرب بالفعل ملايين الزوار سنوياً.
تفاؤل حذر
قلة من الناس يتوقعون أن تصبح ليبيا وجهة سياحية رئيسية بين عشية وضحاها.
ومع ذلك، فإن قافلة السياحة الثقافية والفنية تمثل شيئًا كان غائبًا إلى حد كبير لسنوات: مبادرة سياحية وطنية منسقة مبنية على الثقافة بدلاً من السياسة.
يبقى من غير المؤكد ما إذا كان ذلك سيصبح أساساً لنهضة أوسع.




اترك تعليق