تواجه جنوب أفريقيا، إحدى الوجهات السياحية الرائدة في أفريقيا وأكبر مركز في القارة للسفر الدولي والإقليمي، مخاوف متزايدة بشأن تأثير الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين على صناعة السياحة فيها.
أثارت الموجة الأخيرة من المظاهرات المناهضة للمهاجرين في العديد من المراكز الحضرية قلقاً بين المسافرين الأفارقة ومنظمي الرحلات السياحية والجهات المعنية بالسياحة، الذين يخشون أن تتعرض صورة البلاد باعتبارها "أمة قوس قزح" لأضرار طويلة الأمد إذا استمرت التوترات.
بنت جنوب أفريقيا علامتها السياحية على التنوع الثقافي، والمعالم السياحية العالمية، والحياة البرية، والبنية التحتية الحديثة. إلا أن موجات العنف المتكررة بدافع كراهية الأجانب على مدى العقدين الماضيين قوضت هذه الصورة بشكل دوري، مما استدعى إصدار تحذيرات سفر، وإلغاء رحلات، ومخاوف بشأن سلامة الزوار.
تصاعدت حدة الاحتجاجات الحالية في أجزاء من جوهانسبرغ وبريتوريا ودربان ومناطق حضرية أخرى، حيث اتهم المتظاهرون المهاجرين غير الشرعيين بالمساهمة في الجريمة والبطالة والضغط على الخدمات العامة. ورغم أن المظاهرات موجهة بالدرجة الأولى ضد الأجانب المقيمين في جنوب أفريقيا، يحذر خبراء السياحة من أن الزوار الدوليين غالباً ما ينظرون إلى هذه الاضطرابات على أنها خطر أمني أوسع.
أفادت العديد من شركات السياحة التي تخدم الأسواق الأفريقية بتلقيها استفسارات من مسافرين قلقين بشأن السلامة، في حين تم تأجيل أو إلغاء بعض رحلات العمل والترفيه في انتظار تحسن الوضع الأمني.
يعتمد قطاع السياحة بشكل كبير على الزوار الأفارقة
لا تزال جنوب أفريقيا الوجهة السياحية الأكبر في أفريقيا للسياحة البينية الأفريقية. ووفقاً للإحصاءات السياحية الرسمية، يشكل الزوار من الدول الأفريقية الأخرى حوالي 75% من إجمالي عدد السياح الدوليين الوافدين.
يدعم هؤلاء المسافرون الفنادق والمطاعم وخدمات النقل ومرافق المؤتمرات ومراكز التسوق وأماكن الترفيه وآلاف الشركات الصغيرة العاملة في جميع أنحاء سلسلة القيمة السياحية.
ساهم قطاع السياحة بنسبة تقريبية 361.7 مليار راند (حوالي 23 مليار دولار أمريكي) ستساهم في اقتصاد جنوب إفريقيا في عام 2024، مما يجعلها واحدة من أكبر جهات التوظيف ومصدري العملات الأجنبية في البلاد.

يحذر محللو الصناعة من أن أي انخفاض مستمر في السفر الإقليمي قد تكون له عواقب اقتصادية كبيرة، لا سيما بالنسبة للمؤسسات السياحية الصغيرة التي تعتمد بشكل كبير على الزوار من البلدان المجاورة.
لا تزال كيب تاون جوهرة سياحية
لا تزال مدينة كيب تاون تحتل مكانة مرموقة بين أفضل الوجهات السياحية في أفريقيا، وتُعد بمثابة بوابة دولية إلى جنوب أفريقيا.
تشتهر المدينة عالميًا بسواحلها الخلابة، وجبل تيبل، وكروم العنب، وتجارب الحياة البرية، وتراثها الثقافي المتعدد الغني. كما أنها تستضيف المهرجان السنوي سوق السفر العالمي (WTM) إفريقيا، أحد أبرز معارض السفر التجارية في القارة.
يعود تاريخ كيب تاون إلى عصر الاكتشافات، عندما وصل المستكشف البرتغالي بارتولوميو دياز إلى رأس الرجاء الصالح عام 1488، فاتحاً بذلك أحد أهم الطرق البحرية في العالم بين أوروبا وآسيا. وفي وقت لاحق، تطورت المدينة لتصبح ميناءً استراتيجياً، وتستقبل اليوم ملايين الزوار الدوليين سنوياً.
على الرغم من استمرار شعبية كيب تاون، يحذر خبراء السياحة من أن العناوين السلبية التي تنشأ في أماكن أخرى من جنوب إفريقيا يمكن أن تؤثر على التصورات عن البلاد ككل.
تاريخ العنف ضد الأجانب
شهدت جنوب أفريقيا عدة موجات من العنف بدافع كراهية الأجانب منذ عام 2008.
حدثت تفشيات كبيرة في 2008, 2015, 2019ومرة أخرى في السنوات الأخيرة، حيث تم استهداف المهاجرين من زيمبابوي وموزمبيق وملاوي ونيجيريا وإثيوبيا والصومال وباكستان وبنغلاديش ودول أخرى بشكل متكرر.
وقد أسفرت هذه الحوادث عن وفيات وإصابات وتدمير شركات وتشريد آلاف الرعايا الأجانب.
أثارت التغطية الإعلامية الدولية للعنف قلقاً متكرراً بين الحكومات ومنظمات السفر، حيث أصدرت بعض الدول تحذيرات سفر أو حثت مواطنيها على توخي الحذر عند زيارة جنوب إفريقيا.
يشير باحثو السياحة إلى أن تصورات السلامة تلعب دوراً حاسماً في اختيار الوجهة، لا سيما بالنسبة للزوار الدوليين لأول مرة.
الحكومة تدين أعمال العنف خارج نطاق القانون
حذرت وزيرة العدل والتنمية الدستورية في جنوب أفريقيا، مامولوكو كوباي، من أن أعمال العنف والهجمات التي تستهدف الرعايا الأجانب تضر بسمعة البلاد الدولية، ومناخ الاستثمار، وقطاع الفنون، وصناعة السياحة.
وقالت إن الحكومة لن تتسامح مع الأفراد الذين يأخذون القانون بأيديهم، وأكدت على ضرورة أن تتصدى أجهزة إنفاذ القانون للنشاط الإجرامي في إطار الدستور وسيادة القانون.
وقد رددت منظمات السياحة هذه المخاوف، بحجة أن استعادة ثقة الزوار ستتطلب تدابير أمنية واضحة، ومشاركة مجتمعية، ورسائل متسقة مفادها أن جنوب إفريقيا لا تزال منفتحة وترحب بالزوار الدوليين.
التضامن الإقليمي التاريخي
تتناقض التوترات الحالية مع تاريخ جنوب إفريقيا خلال النضال ضد نظام الفصل العنصري.
خلال النضال الذي دام عقوداً ضد نظام الفصل العنصري، وفرت الدول الأفريقية المجاورة - بما في ذلك تنزانيا وزامبيا وزيمبابوي وبوتسوانا وأنغولا وموزمبيق - ملاذاً آمناً ومرافق تدريب عسكرية ودعماً دبلوماسياً وفرصاً تعليمية لأعضاء المؤتمر الوطني الأفريقي وحركات التحرير الأخرى.
كما أصبحت نيجيريا واحدة من أقوى الداعمين الماليين لحركة مناهضة الفصل العنصري، حيث ساهمت بملايين الدولارات من خلال صندوق إغاثة جنوب أفريقياالمنح الدراسية، والمساعدات الإنسانية، والحملات الدبلوماسية التي ساعدت في دعم منظمات التحرير الجنوب أفريقية خلال سنوات منفىها.
يقول المحللون السياسيون إن هذه الروابط التاريخية عززت مكانة جنوب أفريقيا كقائدة اقتصادية وسياحية في القارة الأفريقية على مدى عقود. ومع ذلك، فإن تكرار أعمال العنف ضد المهاجرين يُنذر بتوتر العلاقات الإقليمية التي دعمت التجارة والسياحة على حد سواء لعقود.
بينما تسعى جنوب أفريقيا للحفاظ على مكانتها كوجهة سياحية رائدة في أفريقيا، يقول قادة الصناعة إن الحفاظ على سلامة الزوار، وتعزيز التماسك المجتمعي، وحماية سمعة البلاد ستكون أموراً أساسية لدعم نمو السياحة في المستقبل.




اترك تعليق