في أحد أهم القرارات الدستورية منذ عقود، أكدت المحكمة العليا الأمريكية مجدداً أن كل طفل يولد على الأراضي الأمريكية هو مواطن أمريكي، رافضةً الجهود المبذولة لتضييق نطاق بند المواطنة في التعديل الرابع عشر.
يُبقي هذا القرار على مبدأ قائم منذ أكثر من 150 عامًا: فالمواطنة الأمريكية لا تُبنى على النسب أو العرق أو الدين أو الثروة أو مكانة الوالدين، بل هي متأصلة في الدستور نفسه.
بالنسبة لمؤيدي الحكم، هذا أكثر من مجرد انتصار قانوني. إنه انتصار للقيم الأمريكية.
انتصار للتقاليد الدستورية
تم اعتماد بند المواطنة في التعديل الرابع عشر بعد الحرب الأهلية لإلغاء الإرث المخزي لقضية دريد سكوت ولتوضيح أن الأشخاص المولودين في الولايات المتحدة هم مواطنون في الولايات المتحدة.
على مرّ الأجيال، فسّرت المحاكم هذا الوعد تفسيراً واسعاً. ويؤكد قرار المحكمة العليا أن القاعدة الأساسية للبلاد لم تتغير: الأطفال المولودون على الأراضي الأمريكية مواطنون، باستثناءات محدودة ومعترف بها منذ زمن طويل، مثل أبناء الدبلوماسيين الأجانب.
كما يعزز هذا الحكم حداً دستورياً هاماً. يجوز للرؤساء التأثير في سياسة الهجرة، لكن لا يمكنهم إعادة كتابة الدستور وفقاً لأهوائهم التنفيذية.
إشارة أوسع حول الهوية الأمريكية

بالنسبة للعديد من الأمريكيين، لا يُنظر إلى هذا الحكم على أنه قرار قانوني فحسب، بل كإشارة أخلاقية أيضاً. فبعد سنوات من الخطاب السياسي الذي يقول النقاد إنه صوّر الأجانب والمسلمين والأفارقة والصوماليين والمهاجرين ومجتمع المثليين الأمريكيين والمجتمعات غير البيضاء على أنهم أقل ترحيباً في الرواية الوطنية، يُقدّم قرار المحكمة لحظة نادرة من الطمأنينة.
بالنسبة للأمريكيين الذين نشأوا على الاعتقاد بأن الولايات المتحدة هي "أرض الحرية"، يشير هذا الحكم إلى أن الدستور لا يزال يفرض قيودًا على محاولات تعريف الانتماء الأمريكي على أساس العرق أو الدين أو الأصل أو الميول الجنسية أو الانتماء السياسي. لا يحسم هذا الحكم كل جدل حول الهجرة أو المساواة أو الحقوق المدنية، ولكنه يحمل رسالة بالغة الأهمية: أن العداء تجاه فئات معينة لا يمكنه ببساطة أن يمحو الوعد الدستوري بالمواطنة.
لهذا السبب، أثار القرار الأمل لدى الكثيرين ممن كانوا يخشون أن تصبح أقدم مُثُل أمريكا قابلة للتفاوض. لطالما جسّدت المواطنة بالولادة الاعتقاد بأن الولايات المتحدة ليست إرثًا مغلقًا، بل مجتمع دستوري مفتوح. لا يحتاج الطفل المولود هنا إلى إثبات النسب أو الدين أو لون البشرة أو اللغة أو الخلفية العائلية "الصحيحة" ليُصبح مواطنًا.
وبهذا المعنى، يتجاوز هذا الحكم نطاق قانون الهجرة، إذ يُجدد قيمة أمريكية جوهرية: وهي أن الحرية ليست حكراً على فئة معينة، وأن المواطنة ليست هبة تُمنح من السلطة السياسية، بل هي ضمانة دستورية.
ماذا يعني ذلك للزوار الدوليين؟
بالنسبة للسياح والطلاب ورجال الأعمال والعمال المؤقتين وغيرهم من الزوار، فإن المعنى العملي للحكم واضح ومباشر: القواعد القائمة منذ فترة طويلة لا تزال سارية.
يحصل الطفل المولود في الولايات المتحدة عمومًا على الجنسية الأمريكية عند ولادته. ولا يُنشئ هذا القرار حقًا جديدًا لدخول البلاد، كما أنه لا يُضعف سلطة الحكومة في تنظيم التأشيرات أو الدخول عبر الحدود. ولكنه يُحافظ على اليقين للعائلات والمستشفيات ومحامي الهجرة والحكومات الأجنبية.
هل يشجع هذا على سياحة الولادة؟
كما سيعيد هذا القرار إحياء النقاش حول ما يسمى "سياحة الولادة"، وهي ممارسة السفر إلى الولايات المتحدة تحديداً للولادة حتى يحصل الطفل على الجنسية الأمريكية.
لا يُقرّ حكم المحكمة سياحة الولادة كسياسة عامة، بل يؤكد فقط أن الجنسية تُمنح للطفل عند تطبيق الدستور. ويجوز للحكومة رفض منح التأشيرات، والتحقيق في عمليات الاحتيال، وإنفاذ قوانين الهجرة ضد الأشخاص الذين يُضللون بشأن الغرض من سفرهم.
وبعبارة أخرى، يحمي الحكم جنسية الطفل؛ فهو لا يمنح الوالدين حقاً تلقائياً في الدخول أو البقاء أو الحصول على مزايا الهجرة.
السياحة والأثر الاقتصادي
من غير المرجح أن يشهد قطاع السياحة الأوسع تغييراً كبيراً نتيجةً لهذا القرار وحده. فمعظم الزوار الدوليين يأتون إلى الولايات المتحدة لقضاء العطلات، أو لأغراض العمل، أو التعليم، أو الرعاية الطبية، أو حضور المؤتمرات، أو زيارة العائلات.
قد تستمر بعض خدمات السفر المتخصصة وخدمات الأمومة في جذب الأمهات الحوامل الأجنبيات، لكن هذه الشركات لا تزال خاضعة لقواعد التأشيرات والتكاليف الطبية والتدقيق في شؤون الهجرة.
بالنسبة للسياحة السائدة، يوفر هذا الحكم الاستقرار بشكل أساسي. فهو يُظهر للعالم أن القواعد الدستورية الأمريكية تظل قابلة للتنبؤ، حتى في خضم النقاشات السياسية الحادة.
لحظة حاسمة
قرار المحكمة العليا يحسم، على الأقل في الوقت الحالي، أحد أكثر الأسئلة إثارة للمشاعر في الحياة الدستورية الأمريكية: من ينتمي؟
إن إجابتها متجذرة بعمق في وعد الأمة بعد الحرب الأهلية. فالذين ولدوا على الأراضي الأمريكية هم مواطنون أمريكيون، ليس بسبب محاباة سياسية أو خلفية عائلية أو موافقة رئاسية، بل لأن الدستور ينص على ذلك.
بالنسبة للكثيرين، هذا هو جوهر الفكرة الأمريكية.




اترك تعليق