تحت سماء زرقاء صافية وشمس دافئة في أوائل الصيف، تتحول برلين مجدداً إلى أكبر احتفال مفتوح بالتنوع في أوروبا. خلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة لعيد العنصرة، تنفجر العاصمة الألمانية في أربعة أيام حافلة بالموسيقى والرقص والطعام والفعاليات والألوان، حيث يغزو كرنفال الثقافات الشهير عالمياً شوارعها.
من إيقاعات السامبا التي تتردد أصداؤها على طول شارع كارل ماركس إلى حلقات رقص الأفرو بيت في كروزبرغ وطبول الكاريبي التي تدوي في فريدريشاين، تحتفل برلين بما يسميه العديد من السكان بفخر أعظم نقاط قوة المدينة: هويتها متعددة الثقافات.
المهرجان، المعروف محلياً باسم كرنفال الثقافاتيجذب المهرجان أكثر من نصف مليون زائر كل عام، ويضم آلاف الفنانين الذين يمثلون عشرات الثقافات والمجتمعات والتقاليد الفنية.
يستمر الاحتفال هذا العام من 22 مايو إلى 25 مايو، ويبلغ ذروته في العرض الشهير يوم الأحد 24 مايو. ويمتد مسار العرض مرة أخرى على طول شارع فرانكفورتر أليه وشارع كارل ماركس أليه، حيث تحول العربات المزينة بشكل متقن وفرق الرقص والموسيقيون الحيون شرق برلين إلى مسرح عالمي متحرك.
مهرجان ولد من برلين المتغيرة
ظهر كرنفال الثقافات في منتصف التسعينيات، خلال فترة أعادت فيها برلين الموحدة تعريف نفسها بعد سقوط جدار برلين. وقد استُلهم جزئياً من كرنفال نوتينغ هيل في لندن وكرنفال زومر في روتردام، وأقيمت أولى فعالياته عام 1996 كبيان ضد كراهية الأجانب والتعصب.
منذ ذلك الحين، تطورت برلين لتصبح واحدة من أكثر المدن الأوروبية عالمية، موطناً لأشخاص من أكثر من 190 دولة. أصبح المهرجان احتفالاً وبياناً سياسياً في آن واحد - إعلاناً حياً بأن التنوع جزء لا يتجزأ من الهوية الألمانية.
"عالمية وعالمية، ديناميكية ومليئة بالحياة، متنوعة وملونة" هكذا تصف المدينة الحدث رسمياً.
يعرض المهرجان اليوم كل شيء بدءًا من مدارس السامبا البرازيلية وفرق الإيقاع في غرب إفريقيا وصولاً إلى فرق موسيقى البلقان النحاسية وفرق الرقص الشعبي في الشرق الأوسط ومشهد الموسيقى الإلكترونية المزدهر في برلين.
وسائل التواصل الاجتماعي تحول برلين إلى مسرح عالمي
هذا العام، تعمل وسائل التواصل الاجتماعي على تضخيم طاقة المهرجان إلى ما هو أبعد من ألمانيا.
على منصتي إنستغرام وتيك توك، ينشر المبدعون مقاطع فيديو نابضة بالحياة لراقصين يرتدون أزياءً مزينة بالريش، وأسواق طعام الشارع، ومنسقي أغاني يعزفون مباشرةً، وحشود تلوح بأعلام من مختلف أنحاء العالم. وقد وصف أحد مقاطع الفيديو القصيرة (ريل) التي انتشرت على نطاق واسع على إنستغرام هذا الحدث بأنه "واحد من أكبر وأكثر المهرجانات ازدحاماً في برلين".
يساهم مدونو السفر على يوتيوب أيضاً في جذب الانتباه الدولي. وصف أحد صناع المحتوى مؤخراً المهرجان بأنه "احتفال نابض بالحياة ومليء بالألوان بالموسيقى والرقص وأطعمة الشوارع والثقافات من جميع أنحاء العالم".
يتشارك المستخدمون عبر فيسبوك لقطات مصورة بطائرات بدون طيار وبث مباشر للعرض، بينما ينشر المؤثرون في برلين أدلة عملية للبقاء على قيد الحياة للتنقل بين الحشود ووسائل النقل العام والحفلات الليلية.
أصبحت ثقافة الهاشتاج المحيطة بالحدث - #KarnevalDerKulturen و #BerlinSummer و #MulticulturalBerlin - جزءًا من المهرجان نفسه، خاصة بين الزوار الأصغر سنًا الذين يرون عطلة نهاية الأسبوع بمثابة تجمع سياسي وفني.
أكثر من مجرد موكب
بينما يُعد العرض الاستعراضي الحدث الأبرز، إلا أن أجواء المهرجان تمتد في جميع أنحاء المدينة.
في ساحة بلوخر، يتجول الزوار عبر أسواق الطعام العالمية، والمنشآت الفنية، والمسارح المفتوحة التي تعرض أنواعًا موسيقية تتراوح من الريغي والهيب هوب إلى موسيقى السول، والأما بيانو، والموسيقى الإلكترونية.
تحضر العائلات ورش عمل لصنع الأقنعة وعروضاً ثقافية، بينما يكتظ السياح بحدائق البيرة والمقاهي القريبة. ويؤدي فنانو الشوارع حركات بهلوانية عفوية بين الحشود التي ترقص تحت فقاعات الصابون العملاقة وأعلام قوس قزح.
تتوقع سلطات برلين مئات الآلاف من الزوار خلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة، مما يجعلها واحدة من أكبر الفعاليات السياحية في المدينة لهذا العام.
مدينة تُعرّف نفسها من خلال التنوع
يأتي كرنفال الثقافات أيضاً في لحظة حساسة في المناخ السياسي الأوروبي، حيث لا تزال النقاشات حول الهجرة والقومية والهوية محتدمة.
لكن في برلين، أصبح المهرجان صورة مضادة قوية - صورة لا تتعايش فيها الثقافات فحسب، بل تحتفل معًا في الفضاء العام.
يُولي المنظمون المحليون اهتماماً متزايداً بالاستدامة والشمولية والحفاظ على التراث الحضري على طول مسارات المواكب. كما تُجرى حملات لجمع التبرعات لضمان استمرار المهرجان في دوراته القادمة.
بالنسبة للعديد من سكان برلين، فإن كرنفال الثقافات هو أكثر من مجرد ترفيه. إنه انعكاس للمدينة نفسها: مدينة متمردة، فنية، عالمية، وتعيد ابتكار نفسها باستمرار.
مع حلول غروب الشمس على العاصمة الألمانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الطويلة هذه، يتردد صدى صوت الطبول وإيقاعات موسيقى التكنو وهتافات الجماهير في الشوارع - دليل على أن هوية برلين لا تزال مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالحرية والإبداع والثقافات التي تشكلها معًا.
للاطلاع على تفاصيل ومواعيد الفعاليات الرسمية، تفضل بزيارة الموقع الإلكتروني. الصفحة الرسمية لكرنفال برلين الثقافي و الموقع الرسمي لكرنفال برلين.



اترك تعليق