مع توجه قطاع الطيران العالمي نحو مستقبل أكثر خضرة، يراهن تحالف متنامٍ من الحكومات وبنوك التنمية على أن أفريقيا يمكن أن تلعب دوراً محورياً في إنتاج الوقود النظيف الذي ستحتاجه شركات الطيران في العقود المقبلة.
حددت منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو)، وهي الوكالة التابعة للأمم المتحدة التي تحكم السفر الجوي العالمي، رؤية طموحة لعام 2050: النقل الجوي الذي يمكن للجميع الوصول إليه، وخالٍ من الوفيات، ويحقق أهداف التنمية المستدامة. انبعاثات الكربون الصافيةيعتمد الكثير من التقدم في مجال المناخ على جزء واحد من اللغز - وقود الطيران المستدام، أو SAF.
يقول الخبراء إن وقود الطائرات المستدام (SAF) قادر على تحقيق أكثر من نصف تخفيضات الانبعاثات التي يحتاجها القطاع. لكن الإنتاج اليوم يتركز بشكل كبير في مناطق قليلة، ولا يزال الناتج أقل بكثير من الطلب. هذا الخلل يجذب الانتباه مجددًا إلى أفريقيا، حيث يمكن تحويل الموارد الزراعية الوفيرة وموارد النفايات إلى وقود طيران نظيف، مما يؤدي إلى خلق صناعات ووظائف جديدة في المستقبل.
زخم السياسات عبر القارات
تتحرك الحكومات في جميع أنحاء العالم بالفعل لتوسيع نطاق استخدام الوقود المستدام. إعادة تزويد طيران الاتحاد الأوروبي بالوقود تتطلب القواعد، المعتمدة في أواخر عام ٢٠٢٣، زيادةً مطردةً في كميات وقود الطائرات المستدام المُباع في أوروبا. وفي فبراير من هذا العام، وافق الاتحاد الأفريقي على أول الاستراتيجية القارية للقوات المسلحة السنغافورية، مما يشير إلى التزام المنطقة بالنمو المستدام للطيران.
تغذي كلتا المبادرتين منظمة الطيران المدني الدولي الإطار العالمي لـ SAF، والتي أصبحت بمثابة نقطة مرجعية للحكومات وشركات الطيران والمؤسسات المالية التي تعمل على مواءمة قواعد المناخ وتشجيع الاستثمار.
أوروبا الجديدة خطة الاستثمار في النقل المستداموتسلط الاستراتيجية العالمية للنمو الأخضر، التي تم الكشف عنها في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، الضوء أيضًا على أهمية الشراكة مع أفريقيا لتوسيع نطاق الوصول إلى الوقود منخفض الكربون ومشاركة التكنولوجيا.
مليارات في الاستثمارات الجديدة
تُولي بنوك التنمية الكبرى اهتمامًا خاصًا لهذا الأمر. فقد عزز كلٌّ من بنك الاستثمار الأوروبي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، والبنك الأفريقي للتنمية، تعهداته التمويلية للوقود المتجدد وإنتاج الطاقة النظيفة.
التزمت EIB Global - الذراع الدولية للبنك - 100 مليارات يورو بحلول عام 2027 لمشاريع البنية التحتية والطاقة المستدامة حول العالم. ومن المتوقع أن يُخصص جزء كبير من هذا التمويل لدعم تطوير وقود الطائرات المستدام، لا سيما في المناطق ذات إمكانات الإنتاج غير المستغلة.
يتم ربط هذه الاستثمارات بشكل متزايد ببرامج المساعدة الفنية لمنظمة الطيران المدني الدولي. مبادرة ACT-SAFأطلقت منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) برنامجها في عام 2022، لمساعدة الدول على تقييم جدوى مرافق الطيران المدني، وتعزيز اللوائح، وتدريب الخبراء المحليين، ووضع خطط العمل. مركز فينيفيست يربط مطوري المشاريع بالبنوك والمستثمرين، بهدف تحويل المقترحات الواعدة إلى مشاريع قابلة للتمويل.
ومن خلال ضمان امتثال مشاريع الوقود المستدام الجديدة لمعايير الاستدامة التي وضعتها منظمة الطيران المدني الدولي ــ بما في ذلك تلك المطلوبة بموجب مخطط التعويض عن الكربون العالمي المعروف باسم كورسيا ــ تساعد الشراكة في الحد من مخاطر الاستثمارات وتسريع نشرها.
الدور المتزايد لأفريقيا
بالنسبة للعديد من الدول الأفريقية، يمثل مشروع SAF أكثر من مجرد إجراء مناخي. إذ يرى صانعو السياسات فيه فرصة لتحفيز التنويع الاقتصاديوتهدف هذه الاستراتيجية إلى جذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء سلاسل قيمة جديدة ــ من زراعة المواد الخام إلى تكرير الوقود وتزويد شركات الطيران.
قال أحد مسؤولي التنمية المشاركين في المبادرات الجديدة: "تمتلك أفريقيا الموارد والمساحة وسوق الطيران المتنامي. والسؤال الآن هو مدى سرعة مساهمة الشراكات المناسبة في حشد رأس المال والخبرة اللازمين".
تتبلور هذه الشراكات بشكل متزايد. تدعم الجهود الأفريقية الأوروبية المشتركة المشاريع التجريبية، ودراسات الجدوى، والتنسيق التنظيمي. وتنسق بنوك التنمية بشكل وثيق مع منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو) لضمان توافق المعايير الفنية وأهداف الاستدامة.
نحو انتقال طاقة أكثر شمولاً
وراء هذا النشاط المتزايد اعتقاد مشترك بأن التحول في مجال الطاقة في قطاع الطيران يجب أن يكون عادلة وشفافة ومفيدة للطرفينويقول المؤيدون إن التعاون - وليس المنافسة - سيكون ضروريا في ظل تسابق العالم لتحقيق أهداف المناخ المتزايدة.
بالنسبة لأفريقيا، تُعدّ المخاطر كبيرةً للغاية. فالنجاح قد لا يعني فقط مساعدة العالم على خفض انبعاثات الكربون في قطاع الطيران، بل يعني أيضًا الاستحواذ على حصةٍ كبيرةٍ في صناعةٍ عالميةٍ يُتوقع أن تُقدّر بمليارات الدولارات.
وبينما تتطلع الحكومات والمستثمرون إلى عام 2050، أصبح أمر واحد واضحا: إن مستقبل وقود الطيران النظيف قد يكون مكتوبا في أفريقيا.



اترك تعليق