أروندل، غرب ساسكس — عاد صليل السيوف وهتافات الحشود ورفرفة الرايات إلى أراضي قلعة أروندل في عطلة عيد الفصح هذه، حيث عاد آلاف الزوار إلى عام 1189 لحضور أول مهرجان للعصور الوسطى في الموقع عام 2026.
أقيم هذا الحدث المهيب على مدى ثلاثة أيام، من الجمعة 3 إلى الأحد 5 أبريل، وحوّل القصر التاريخي إلى تجسيد حيّ لإنجلترا في العصور الوسطى. وكان جوهره بطولة كبرى أقيمت احتفاءً بتتويج الملك ريتشارد الأول، المعروف باسم ريتشارد قلب الأسد، واستضافها إيرل أروندل على الطريقة التقليدية لتلك الحقبة.
تجربة تاريخية حية
أقيم المهرجان في مخيم خيام مترامي الأطراف على المروج السفلية للقلعة، وقدم تجربة غامرة طمست الحدود بين الماضي والحاضر. وقدّم ممثلون يرتدون دروعاً كاملة عروضاً قتالية مثيرة، بينما اجتذبت عروض الصيد بالصقور ومسابقات الرماية حشوداً غفيرة طوال عطلة نهاية الأسبوع.
لم يقتصر الزوار على المشاهدة فقط، بل جربت العائلات مهاراتها في رمي الفؤوس والرماية، بينما شارك الصغار في "معارك الأطفال" الشهيرة في القلعة وورش العمل الإبداعية في خيمة الحرف اليدوية. كانت الأجواء تعجّ بالموسيقى التي تعود للعصور الوسطى، ورائحة أكشاك الطعام، والضجيج المميز لتاريخ حيّ ينبض بالحياة.
قال أندرو لويس، مدير القلعة، إن الإقبال فاق التوقعات:
"لقد سررنا برؤية هذا العدد الكبير من الزوار يستمتعون بالأنشطة والعروض المقدمة. سواءً أكانوا يخوضون تجارب عملية أو يستمتعون ببساطة بالأجواء، كان هناك ما يجذب انتباه الجميع."
قلعة غارقة في ألف عام من التاريخ
إن قلعة أروندل نفسها ليست مجرد خلفية. يعود تاريخها إلى عهد إدوارد المعترف، وقد أكملها روجر دي مونتغمري - ابن عم ويليام الفاتح - وقد وقفت القلعة لما يقرب من ألف عام كرمز للقوة والصمود والاستمرارية.
رغم تعرض القلعة لأضرار خلال الحرب الأهلية الإنجليزية، فقد جرى ترميمها بعناية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. واليوم، لا تزال مقرًا لدوقات نورفولك، وموطنًا لإدوارد فيتزالان-هوارد، الدوق الثامن عشر وإيرل مارشال إنجلترا.
على مر القرون، استقبلت المدينة شخصيات بارزة من بينهم الملكة فيكتوريا والأمير ألبرت، مما أضاف طبقات من الروابط الملكية إلى تاريخها الغني بالفعل.
من يأتي إلى أروندل - ولماذا؟
استقطب المهرجان جمهوراً متنوعاً: من عشاق التاريخ، إلى العائلات الباحثة عن تجارب غامرة، مروراً بالسياح الدوليين، وصولاً إلى السكان المحليين. بالنسبة للكثيرين، تقدم أروندل شيئاً نادراً هذه الأيام، ألا وهو التواصل الملموس مع ماضي إنجلترا في العصور الوسطى.
على عكس المتاحف الثابتة، يحوّل البرنامج الموسمي للقلعة التاريخ إلى حدث تفاعلي. فمن بطولات المبارزة إلى عروض شكسبير، يُدعى الزوار ليس فقط لمشاهدة التاريخ، بل للدخول إلى قلبه.
مزيج فريد من التراث والروعة
ما يُميّز أروندل هو قدرتها على الجمع بين الأصالة وسهولة الوصول. فمهرجانها الذي يعود للعصور الوسطى متجذر في تفاصيل تاريخية دقيقة، ولكنه مصمم ليناسب الجمهور المعاصر. وينطبق الأمر نفسه على مهرجان التوليب الشهير، الذي انطلق أيضاً خلال عطلة عيد الفصح.
هذا العام، تتفتح أكثر من 110,000 آلاف زهرة توليب من 120 صنفاً في حدائق القلعة ذات المناظر الطبيعية الخلابة، والتي تُعتبر على نطاق واسع من بين أجمل المناظر في أوروبا. ويُضفي التباين بين ألوان الربيع الزاهية وجدران الحجر القديمة بُعداً آخر لتجربة الزائر.
تحديات الحفاظ على الماضي
لا يخلو تنظيم فعاليات واسعة النطاق في موقع مصنف ضمن الدرجة الأولى من التحديات. فمتطلبات الحفاظ على الموقع، وإدارة الزوار، والحاجة إلى تحقيق التوازن بين الترفيه والحفاظ على الطابع التاريخي، كلها أمور تتطلب تخطيطاً دقيقاً.
وهناك أيضاً التحدي الأوسع نطاقاً المتمثل في الحفاظ على أهمية المكان، أي ضمان استمرار قلعة تعود جذورها إلى القرن الحادي عشر في جذب جمهور القرن الحادي والعشرين. وتُعدّ فعاليات مثل مهرجان العصور الوسطى جزءاً من هذا الحل، إذ تُقدّم تجارب تعليمية تفاعلية تُبقي التراث حياً.
واستشرافا للمستقبل
مع انطلاق موسم 2026، تُثبت قلعة أروندل مجدداً جاذبيتها الدائمة. تفتح أبوابها من أبريل إلى أوائل نوفمبر، ويُقدّم برنامجها الحافل كل شيء من عروض الزهور إلى العروض المسرحية.
لكن بالنسبة للكثيرين ممن حضروا خلال عيد الفصح، ستبقى أبرز اللحظات تلك التي بدا فيها الوقت وكأنه يمر مرور الكرام – عندما كان الفرسان يمتطون خيولهم، وتطير السهام، ولم يكن التاريخ بعيدًا، بل كان نابضًا بالحياة.
في أروندل، لا يتم الحفاظ على الماضي فحسب، بل إنه يؤدي دوره.




اترك تعليق