تعد رحلات الطيران فائقة المدى بتقليص حجم العالم مرة أخرى. أما ما إذا كان الركاب - والكوكب - سيستفيدون من ذلك، فهو أمر أقل يقيناً.
لطالما قُيست عزلة أستراليا، عبر تاريخ الطيران، بعدد مرات التوقف للتزود بالوقود. ففي الماضي، كانت الرحلة من سيدني إلى لندن تتطلب عدة هبوطات موزعة على عدة أيام. ورغم أن الطائرات الحديثة قد قلّصت هذه الانقطاعات تدريجيًا، إلا أن الجغرافيا ظلت عائقًا. فحتى أطول خطوط الطيران التجارية اليوم تعتمد عمومًا على مراكز في آسيا أو الخليج.
قد يتغير ذلك قريبًا. تخطط شركة طيران كانتاس لإطلاق رحلات مباشرة من سيدني إلى لندن ونيويورك باستخدام طائرات إيرباص A350-1000 معدلة خصيصًا، قادرة على البقاء في الجو لمدة 20 ساعة تقريبًا. ويهدف مشروع "شروق الشمس" الذي طال انتظاره، إلى إلغاء التوقف الأخير الذي يفصل أستراليا عن أوروبا وأمريكا الشمالية.
من منظور هندسي، يُعدّ هذا الإنجاز مثيرًا للإعجاب أكثر منه ثوريًا. لم تشهد الطائرات زيادةً هائلة في السرعة، بل ازدادت كفاءتها. وقد ساهمت التطورات في المواد المركبة، ومحركات التوربوفان ذات نسبة الالتفافية العالية، وديناميكا الهواء، وأنظمة إدارة الطيران المتطورة، في توسيع نطاق استخدامها التجاري تدريجيًا. تمثل طائرة إيرباص A350 تتويجًا لعقود من التحسينات التدريجية، لا قفزةً تكنولوجيةً واحدة.
لكن الهندسة لا تجيب إلا على سؤال واحد: هل هذه الرحلات ممكنة؟ أما الأسئلة الأكثر إثارة للاهتمام فتتعلق بالاقتصاد، وعلم وظائف الأعضاء البشرية، والتكلفة البيئية.
بالنسبة لشركات الطيران، تُشكّل الرحلات الطويلة جدًا تحديًا لنموذج المحاور والفروع الذي هيمن على الطيران الدولي منذ تحرير قطاع الطيران. يعود جزء كبير من نجاح مطارات مثل سنغافورة ودبي والدوحة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي بين أوروبا وأستراليا. تُهدد الرحلات المباشرة بتجاوز هذه المحطات الوسيطة تمامًا. فكل مسافر يسافر مباشرة من سيدني إلى لندن يعني مسافرًا واحدًا أقلّ اضطرارًا لتغيير الطائرة في مطار شانغي أو مطار دبي الدولي.
لهذه الإمكانية تداعيات استراتيجية تتجاوز مجرد الملاءمة. فقد تواجه شركات الطيران التي تعتمد على حركة الربط الجوي ضغوطًا على بعض أسواقها الأكثر ربحية للرحلات الطويلة. وبالمثل، قد تجد شركات الطيران العاملة من دول معزولة جغرافيًا نفسها أقل اعتمادًا على المحاور الخارجية والاضطرابات السياسية التي تعرقلها أحيانًا. وقد أظهر إغلاق المجال الجوي الروسي عقب غزو أوكرانيا مدى سرعة انهيار الشبكات الدولية المُحسَّنة بعناية.

مع ذلك، تبقى الحسابات التجارية دقيقة. فحمل كمية كافية من الوقود لرحلة مدتها 20 ساعة يقلل من المساحة المتاحة للركاب أو البضائع. كما يتطلب الأمر أطقم طيران إضافية، وتتجه تصميمات مقصورات الطائرات بشكل متزايد نحو تفضيل المقاعد المميزة على المقاعد الاقتصادية المكتظة. وقد صنفت شركة كانتاس مشروع "صن رايز" كمنتج فاخر وليس خدمة موجهة للجمهور العام. وهذا يعكس حقيقة بسيطة: يعتمد الجدوى الاقتصادية بشكل كبير على المسافرين المستعدين لدفع مبلغ إضافي كبير لتجنب رحلات الترانزيت.
يشكل الركاب أنفسهم عائقًا آخر. إذ يمكن للطائرات أن تبقى في الجو لفترة أطول مما يتحمله معظم الناس في وضعية الجلوس. وقد استثمرت شركة كانتاس بكثافة في أبحاث النوم، وإضاءة المقصورة، وجدولة الوجبات، وبرامج الحركة المصممة للحد من الإرهاق واضطراب الرحلات الجوية الطويلة. قد تُحسّن هذه الإجراءات التجربة بشكل طفيف، لكنها لا تستطيع تغيير طبيعة الجسم. فعشرون ساعة في مقصورة مضغوطة تُسبب ضغطًا لا مفر منه على أنماط النوم، والدورة الدموية، وترطيب الجسم، خاصةً بين المسافرين كبار السن أو من يعانون من مشاكل صحية سابقة.
تُعدّ الاعتبارات البيئية موضع جدلٍ مماثل. إذ تُجادل شركات الطيران بأنّ إلغاء الهبوط الوسيط يُقلّل من استهلاك الوقود أثناء الإقلاع والصعود والهبوط، ويُقصّر في الوقت الإجمالي للرحلة. في المقابل، يُعارض النقاد فكرة أنّ حمل كميات هائلة من الوقود لمسافات عابرة للقارات يُؤدّي حتمًا إلى انخفاض الكفاءة. والمقارنة ليست بهذه البساطة التي يُوحي بها أيٌّ من الطرفين. فمسألة ما إذا كانت الرحلة المباشرة تُصدر انبعاثات كربونية أقل من الرحلة ذات التوقف الواحد تعتمد على نوع الطائرة، وعدد الركاب، والمسار، واتجاه الرياح السائدة، والقرارات التشغيلية. ولا توجد إجابة صحيحة مُطلقة.
يعكس هذا الغموض توترًا أوسع نطاقًا في قطاع الطيران التجاري. فقد حقق المصنّعون نجاحًا ملحوظًا في خفض الانبعاثات لكل راكب-كيلومتر بفضل الطائرات الأكثر كفاءة. إلا أن هذه المكاسب تتضاءل تدريجيًا أمام الطلب المتزايد على السفر الجوي نفسه. وتمثل الرحلات الجوية فائقة الطول كلا الاتجاهين في آن واحد: فالكفاءة التكنولوجية تُتيح رحلات كانت في السابق غير اقتصادية.
يشير التاريخ إلى أن الطيران يوسع آفاقه باستمرار. فالرحلات التي كانت تُعتبر طويلة بشكل غير عملي تصبح روتينية في غضون جيل واحد. وقد أحدثت طائرة بوينغ 747 ثورة في السياحة العالمية. وفتحت الطائرات ذات المحركين خطوط طيران مباشرة كانت حكرًا على الطائرات النفاثة ذات الأربعة محركات. وتُكمل طائرة إيرباص A350 هذا التطور بدلًا من أن تُغيره.
لذا، يُعد مشروع "صن رايز" أقرب إلى تجربة تجارية منه إلى ثورة تكنولوجية. فإذا ما أولى عدد كافٍ من المسافرين أهمية أكبر للوقت من السعر، وإذا ما استطاعت شركات الطيران التوفيق بين تعقيد العمليات والاعتبارات البيئية، فقد تصبح الرحلات الجوية المباشرة بين أبعد مدن العالم أمراً شائعاً. أما إذا لم يحدث ذلك، فقد يثبت المطار المحوري -وهو مؤسسة افترض كثيرون أن التكنولوجيا ستجعلها في نهاية المطاف عتيقة- أنه أكثر مرونة مما توقعه منتقدوه.
لقد شكّلت المسافة الشاسعة أستراليا على مرّ القرون، لكنّ الطيران قلّص هذه المسافة تدريجياً. أما مسألة إزالة آخر العوائق المتبقية تماماً، فهي سؤال لا تستطيع التكنولوجيا وحدها الإجابة عنه.




اترك تعليق