برلين - مع إسدال الستار على الدورة الستين لمعرض ITB Berlin، أكبر معرض تجاري للسفر في العالم، هيمنت دولة واحدة على نقاشات السياحة العالمية: أنغولا. استغلت هذه الدولة الواقعة في جنوب أفريقيا، والتي استضافت رسمياً دورة عام 2026، هذه المنصة المرموقة ليس فقط لعرض ثقافتها ومناظرها الطبيعية، بل أيضاً لتوجيه رسالة قوية إلى قطاع السياحة العالمي: أنغولا مستعدة لتصبح القوة السياحية الكبرى القادمة في أفريقيا.
لطالما اشتهرت أنغولا لعقود طويلة بثروتها النفطية. ولكن مع اجتماع قادة السياحة العالميين في برلين، كشفت البلاد عن رؤية جديدة، رؤية تلعب فيها السياحة دوراً محورياً في التحول الاقتصادي والاستثمار الأجنبي والنمو المستدام.
كانت الرسالة من المسؤولين الأنغوليين والشركاء الدوليين واضحة: عملاق جديد في السياحة الأفريقية يستيقظ.
منصة عالمية لوجهة سياحية ناشئة
تأسس معرض ITB Berlin في عام 1966، ونما ليصبح المعرض التجاري السياحي الأكثر تأثيراً في العالم، حيث يجمع آلافاً من المتخصصين في مجال السياحة والمستثمرين ووسائل الإعلام من جميع أنحاء العالم كل عام.
بالنسبة لأنغولا، لم يكن استضافة هذا الحدث التاريخي مجرد حدث رمزي، بل كان فرصة استراتيجية لوضع البلاد في مكانة منافس جاد في سوق السياحة العالمية.
ترأس مسؤولون أنغوليون حفل افتتاح الدورة الستين للمعرض، والذي تضمن عروضاً ثقافية وموسيقية وعروضاً مرئية أبرزت مناظر البلاد الطبيعية وتقاليدها وتراثها. وقد عرّف هذا الحدث قطاع السياحة العالمي بالعلامة التجارية السياحية لأنغولا. "زيارة أنغولا - إيقاع الحياة"، مما يعكس ثقافة البلاد النابضة بالحياة وتنوعها الطبيعي.
من الشلالات والصحاري إلى الشواطئ والغابات، قدمت أنغولا نفسها كوجهة ذات تناقضات استثنائية - وجهة لا تزال غير مستكشفة إلى حد كبير.
السياحة: "النفط الأخضر" في أنغولا
وراء الاحتفالات والدبلوماسية الثقافية تكمن استراتيجية اقتصادية قوية. تسعى حكومة أنغولا إلى تنويع اقتصادها بعيداً عن النفط، الذي هيمن تاريخياً على الإيرادات الوطنية.
تم تحديد السياحة الآن كواحد من أكثر القطاعات الواعدة في البلاد.
خلال معرض ITB برلين، وصف وزير السياحة الأنغولي، مارسيو دي خيسوس لوبيز دانيال، السياحة بأنها مصدر دخل الأمة "النفط الأخضر" — محرك اقتصادي مستدام قادر على توليد فرص العمل والاستثمار والتنمية الإقليمية.
وعلى عكس الصناعات الاستخراجية التي شكلت تاريخياً اقتصاد أنغولا، فإن السياحة توفر فرصاً للنمو الشامل طويل الأجل.
"تدخل أنغولا مرحلة جديدة يتم فيها تحويل الإمكانات السياحية إلى فرص عمل ملموسة"، هذا ما قاله دانيال خلال اجتماع قادة السياحة رفيعي المستوى الذي عقد على هامش المعرض.
تأمل الحكومة أن يصبح قطاع السياحة محركاً رئيسياً للتحول الاقتصادي من خلال الاستثمار في البنية التحتية، وتخفيف متطلبات التأشيرة، وجذب العلامات التجارية الفندقية العالمية.
بلد غني بالعجائب الطبيعية

تُعد التنوع الطبيعي الاستثنائي أحد أعظم نقاط قوة أنغولا.
تمتد البلاد على طول أكثر من 1,600 كيلومتر من ساحل المحيط الأطلسي، وتجمع بين الشواطئ البكر والصحاري الخلابة والغابات الاستوائية وأنظمة الأنهار الشاسعة.
ومن بين أبرز معالمها الشهيرة شلالات كالاندولاتضم البلاد واحدة من أكبر الشلالات في أفريقيا. كما أنها موطن لصحراء ناميبي، حيث تلتقي الكثبان الرملية بالمحيط الأطلسي في واحدة من أكثر المناظر الطبيعية إثارة للإعجاب في القارة.
تساهم محميات الحياة البرية والحدائق الوطنية والأراضي الرطبة في تعزيز جاذبية أنغولا لعشاق السياحة البيئية ومحبي المغامرات.
ويشير خبراء السياحة إلى أن أكبر ميزة لأنغولا قد تكون أن جزءًا كبيرًا من جمالها الطبيعي لا يزال بمنأى عن السياحة الجماعية.
"من الشواطئ البكر إلى حدائق السفاري وبعض الشلالات الأكثر إثارة للإعجاب في أفريقيا، تعمل أنغولا على ترسيخ مكانتها كوجهة سياحية صاعدة"، هذا ما لاحظه موقع يورونيوز ترافل في تقرير حديث حول طموحات البلاد السياحية المتنامية.
بالنسبة للمسافرين الذين يبحثون عن تجارب أصيلة بعيداً عن الوجهات المزدحمة، تمثل أنغولا واحدة من آخر الحدود العظيمة.
تحويل الإمكانات إلى استثمار
لكن الجمال الطبيعي وحده لا يكفي لبناء صناعة سياحية.
وإدراكاً لذلك، استخدمت أنغولا معرض ITB برلين لإطلاق استراتيجية استثمارية شاملة تهدف إلى جذب رؤوس الأموال العالمية إلى هذا القطاع.
يتمحور هذا المشروع حول دليل استثماري جديد تم تطويره بالشراكة مع هيئة السياحة التابعة للأمم المتحدة بعنوان: "السياحة وممارسة الأعمال - الاستثمار في أنغولا".
يُقدّم الدليل عرضاً شاملاً لمجموعة من المشاريع السياحية في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك النُزُل السياحية البيئية، والمنتجعات الساحلية، ومواقع التراث الثقافي، ومشاريع الضيافة واسعة النطاق. كما يُزوّد المستثمرين بمعلومات تفصيلية حول الأطر القانونية والحوافز وفرص الشراكة.
من خلال توفير الوضوح والشفافية، تأمل الحكومة في الحد من مخاطر الاستثمار وتسريع تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاع السياحة.
كما تم توقيع العديد من مذكرات التفاهم مع شركات دولية خلال اجتماعات في برلين، والتي تغطي مشاريع تطوير البنية التحتية السياحية والنقل والضيافة.
تشير هذه الاتفاقيات إلى تحول من الترويج إلى التنفيذ - وهي علامة على أن طموحات أنغولا السياحية بدأت تتحول من مجرد رؤية إلى واقع.

البنية التحتية والاتصال
ومن الركائز الأساسية الأخرى لاستراتيجية السياحة في أنغولا تطوير البنية التحتية.
على مدى العقد الماضي، استثمرت الدولة بكثافة في المطارات والطرق وممرات النقل المصممة لتحسين إمكانية الوصول للمسافرين الدوليين.
من المتوقع أن يؤدي افتتاح مطار الدكتور أنطونيو أغوستينو نيتو الدولي الجديد بالقرب من لواندا إلى تعزيز قدرة البلاد على الطيران بشكل كبير، في حين أن عمليات التحديث التي ستجرى على المطارات الإقليمية وشبكات الطرق ستسهل على السياح الوصول إلى مناطق الجذب الطبيعية النائية.
تُعدّ شبكة المواصلات ضرورية لبلد شاسع جغرافياً كأنغولا. ومن خلال تحسين روابط النقل، يأمل المسؤولون في إطلاق العنان للإمكانات السياحية للمناطق التي كان الوصول إليها صعباً تاريخياً.
من برلين إلى لواندا
من المتوقع أن يستمر الزخم الذي تم تحقيقه خلال معرض ITB برلين في الأشهر المقبلة.
تستعد أنغولا لاستضافة قمة الاستثمار في المنتدى العالمي للسياحة في عاصمتها لواندا، حيث سيستكشف قادة الحكومة ومجموعات الفنادق ومطورو البنية التحتية والمؤسسات المالية فرص الاستثمار السياحي الجديدة.
من المقرر أن تعقد القمة في الفترة من 7 إلى 9 مايو، وتهدف إلى تعزيز الشراكات بين المؤسسات العامة والمستثمرين من القطاع الخاص.
بالنسبة لأنغولا، سيمثل هذا الحدث خطوة أخرى في استراتيجيتها لوضع نفسها كلاعب جاد في سوق السياحة الدولية.
سردية جديدة لأنغولا
بالنسبة للعديد من المسافرين الدوليين، لا تزال أنغولا وجهة غير معروفة نسبياً.
سنوات من الصراع الأهلي والاعتماد الاقتصادي على النفط طغت على إمكانات السياحة في البلاد. لكن هذا الوضع يتغير الآن.
يعتقد المسؤولون الأنغوليون أن البلاد تدخل فصلاً جديداً - فصلاً يتميز بالتنويع الاقتصادي والشراكات الدولية والتنمية المستدامة.
وفي برلين، أكد ممثلو أنغولا أن السياحة لا تقتصر فقط على جذب الزوار، بل تتعلق أيضاً ببناء نظام بيئي أوسع للاستثمار والبنية التحتية والتبادل الثقافي.




اترك تعليق