مرحبًا بكم في eTurboNews | إي تي إن   انقر للاستماع إلى النص المميز! مرحبًا بكم في eTurboNews | إي تي إن
أخبار السفر إلى إيران أخبار الوجهة الثقافية أخبار السفر العاجلة من eTN أخبار السفر المميزة الأخبار

إيران: الحياة القروية الهادئة الخفية التي لا يتحدث عنها أحد

قرية إيرانية

تُعدّ الحرب الإيرانية من أخطر بؤر التوتر الجيوسياسي في الوقت الراهن، إذ يُحتمل أن تتطور إلى حرب أوسع نطاقًا تُؤثر بشكل مباشر على أوروبا. لكن بعيدًا عن عناوين الأخبار، تستمر الحياة في القرى الإيرانية النائية بهدوء وثبات، حيث تسود وتيرة الحياة اليومية رغم التوترات العالمية وتزايد المخاطر خارج الجبال.

تحت عناوين الأخبار، بعيداً عن المدن وصخب الحياة العصرية، تصمد إيران أخرى في الحجر والدخان وضوء الجبال والعمل الهادئ للحياة اليومية.

هناك إيران لا يلتفت إليها العالم إلا نادراً.

ليس لأنه مخفيٌّ تمامًا، بل لأنه لا يتناسب مع وتيرة الاهتمام المعاصر. فهو لا يأتي كإنذار، ولا يقتحم اليوم بإلحاح، ولا يتحدث بلغة التصعيد أو الاستراتيجية أو الأزمة أو الاستعراض. ​​بل هو موجودٌ في الصباحات الطويلة، وفي الدروب الوعرة، وفي القدور النحاسية، وفي الجدران التي رُمِّمت يدويًا، وفي الأسقف التي تُستخدم كشوارع، وفي الغرف المنحوتة في الصخر، وفي وجبات العشاء التي تُطهى على نفس المواقد التي كانت تُدفئ العائلات منذ قرون.

هذه هي إيران التي تخفيها العناوين الرئيسية.

إيران كاندوفان، حيث لا تزال العائلات تعيش داخل مخاريط حجرية بركانية منحوتة في هيئة منازل. إيران ماسوله، حيث سطح منزل ما هو شارع منزل آخر. إيران أورمان تخت، حيث ترتفع منازل الحجر الجيري كالمدرجات من الجبل نفسه. إيران أبيانة، حيث تتصلب الجدران ذات اللون الأحمر الحديدي مع كل عاصفة. إيران ميمند، حيث لا تزال غرف الكهوف المنحوتة يدويًا تحتفظ بنيران الشتاء. إيران ماخونيك، المبنية منخفضة في الأرض كما لو كانت ستختفي فيها. إيران بالانجان، حيث تجري جداول سمك السلمون المرقط عبر مستوطنة في وادٍ، ويستقر دخان المساء ببطء في هواء الوادي.

إنها إيران ذات استمرارية مذهلة.

وهذا ما يجعله مؤثراً للغاية. ليس فقط لجماله، مع أنه جميل. ليس فقط لقدمه، مع أنه قديم. بل لأنه لا يزال مأهولاً. لا يزال يُلمس. لا يزال دافئاً. لا يزال يُرمم. لا يزال يُطهى فيه. لا يزال يُمرر فيه. لا يزال يُورث.

على الرغم من كل الضجيج الذي يحيط بإيران في المخيلة العالمية، إلا أن هناك إيقاعًا آخر للحياة هنا: هادئ، ومرن، وأقدم من أي شيء تقريبًا يعرفه العالم الحديث.

المسافة بين عنوان رئيسي ومنزل

قد تبدو الحرب قريبة على الخريطة، وبعيدة بشكل لا يُصدق في المطبخ.

لعلّ هذه إحدى أعمق الحقائق التي تسري في هذه القرى. بعيدًا عن العواصم، وبعيدًا عن لغة الجيش، وبعيدًا عن دوائر الإعلام الحديث، لا تزال الحياة محكومة بضرورات قديمة. يجب خبز الخبز. يجب إطعام الحيوانات. يجب جلب ماء النبع. يجب إشعال النار قبل حلول البرد. يجب تجفيف الفاكهة لفصل الشتاء. يجب طهي الحساء على نار هادئة لفترة كافية لتدفئة الحجر. يجب استدعاء الأطفال إلى منازلهم قبل حلول الظلام.

في أماكن كهذه، قد يكمن الصراع في مكان ما وراء سلسلة الجبال، وراء شاشة التلفاز، وراء أقرب مدينة، وراء الأفق السياسي. قد يكون حقيقياً. قد يكون مهماً. لكنه لم يُغيّر بعدُ بنية الحياة اليومية.

والحياة اليومية لها تأثيرها القوي.

هذا ما يُدركه الفيلم الوثائقي جيدًا. يبدأ بتحدٍّ للإدراك: ما يبدو من بعيد ككومة ترابية جرداء، يتبين أنه مأهول، دافئ، نابض بالحياة. يقول الراوي: "لكن لا، هذه إيران"، محولًا الصورة من الفراغ إلى الحضور. داخل تلك الأبراج الحجرية، لا يزال الناس "يُعدّون العشاء الليلة"، كما فعلوا على مرّ العصور.

تحتوي تلك الجملة على المنطق العاطفي الكامل للفيلم.

ليس إنكاراً. ليس هروباً رومانسياً. بل اعتراف.

إدراك أن الحياة يمكن أن تستمر في أماكن تحوّل العالم فيها إلى مجرد رموز. إدراك أن التاريخ ليس مجرد قصة دول وصراعات، بل هو قصة بيوت وأسر وجدران وطرق ووصفات وإيماءات متكررة. إدراك أن حقائق الوجود الأساسية، بالنسبة لكثير من الناس، تبقى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمكان: الطقس، والماء، والطعام، والأسرة، والحجر، والنار.

صوت يتحرك كالكاميرا، وكاميرا تتحرك كالذاكرة

ما يجعل إيران: الحياة القروية الخفية التي لا يتحدث عنها أحد إن التأثير لا يقتصر على ما يظهره فحسب، بل على كيفية التعبير عنه.

السرد متأنٍّ، وصفي، وغنيٌّ بالأجواء. لا يُسرع بالمشاهد من معلومة إلى أخرى، بل يُمعن النظر، ويُضيف تفاصيل دقيقة، ويستخدم خصائص مادية لخلق صدق عاطفي: جدران سميكة، أسقف سوداء، ممرات ضيقة، أبواب منخفضة، ينابيع معدنية، مواقد خشب الجوز، فاكهة مجففة، معكرونة مصنوعة يدويًا، حواف حجرية، أوانٍ نحاسية. الصوت أدبي، لكنه ليس متكلفًا، بل مُنتبه لا استعراضي، ويُتيح للجيولوجيا والحياة المنزلية أن تتشاركا في جملة واحدة.

مرارًا وتكرارًا، يطوي النصّ المسافة بين العمارة والروتين اليومي. فالمنزل ليس مجرد بناء، بل هو رقصةٌ من الحركة المتوارثة. والجدار ليس مجرد جدار، بل هو سجلٌّ للمناخ والتكيف والعمل والزمن. والمطبخ ليس مجرد مكان لإعداد الطعام، بل هو المكان الذي تنتقل فيه اللغة والذاكرة والعادات بين الأجيال.

التأثير حميمي وواسع في آن واحد.

هذا سرد وثائقي يكشف ببطء. لا يملي على المشاهد ما يفكر فيه بقدر ما يدربه على تحديد ما ينظر إليه. ينظر إلى السخام لا كقذارة، بل كأرشيف. ينظر إلى السطح لا كسطح، بل كمساحة مدنية مشتركة. ينظر إلى المدخل لا كمجرد مدخل، بل كاتفاق بين المناخ والعرف. ينظر إلى الحجر لا كخلفية جامدة، بل كشريك في بقاء الإنسان.

يُعدّ هذا الأسلوب جوهرياً في القصة. فالفيلم يتجنب الإبهار البصري ليُبرز قوة التحمل.

إيرانوتسدي | eTurboNews | إي تي إن
إيران: الحياة القروية الهادئة الخفية التي لا يتحدث عنها أحد

كاندوفان: العشاء داخل الحجر

قد تكون صورة كاندوفان هي الصورة التي تبقى عالقة في أذهان الناس لأطول فترة.

من بعيد، تبدو القرية شبه مستحيلة: تكوينات صخرية مخروطية الشكل ترتفع من وادٍ كأبراجٍ متآكلة. لكن داخل هذه التكوينات، تنبض الحياة اليومية بهدوءٍ استثنائي. تعيش العائلات داخل مخاريط بركانية تشكلت عبر الزمن بفعل الحمم البركانية والرماد والرياح والأمطار. منازل كاملة مبنية داخل جدران يبلغ سمكها حوالي ستة أقدام. المواقد منحوتة مباشرة في أرضيات حجرية. ممرات داخلية ضيقة تربط الغرف. يتصاعد الدخان من فتحات في الأعلى مع إشعال النيران في الصباح.

يركز الفيلم على التفاصيل التي تحول المشهد من مشهد مذهل إلى مشهد مألوف.

يتنقل الأطفال بين الغرف. يجلس السكان المسنون عند المداخل المنحوتة، يراقبون تغير الضوء على سفح التل المقابل. يُحضّر الشاي على جمر الفحم في أوانٍ نحاسية تبدو وكأنها تنتمي إلى الكهف نفسه. يصف الراوي الأسقف التي أظلمتها عقود من السخام لا على أنها إهمال، بل على أنها "سجل متراكم" للوجبات التي طُبخت هناك، أرشيف منزلي مكتوب بالدخان.

تُعدّ هذه العبارة من أروع عبارات الفيلم الوثائقي، لأنها تُظهر رؤيته للعالم. لا شيء هنا بدائي بالمعنى المُهين، ولا شيء يُختزل إلى مجرد تحفّظ. كل شيء يُفسّر من خلال الاستمرارية والتكيّف والذكاء.

وهذا جزء من الفكرة الأوسع للمقال أيضاً: فبعيداً عن افتراضات النظرة الحديثة، لا تمثل هذه القرى التخلف، بل تمثل معرفة عميقة بكيفية العيش في مكان واحد لفترة طويلة جداً.

إيراندينر | eTurboNews | إي تي إن
إيران: الحياة القروية الهادئة الخفية التي لا يتحدث عنها أحد

ماسوله: حيث تتحول أسطح المنازل إلى شوارع

في ماسولة، يحدد الجبل كل شيء.

المنحدر شديد الانحدار لدرجة أن المنطق الحضري التقليدي يتلاشى. تتراص المنازل على شكل مدرجات بحيث يشكل كل سطح سطحًا للمشي للطابق الذي يعلوه. والنتيجة هي عمارة تُشكل مساحة مشتركة. الشوارع والأسطح تصبح شيئًا واحدًا. التنقل عبر القرية يعني التنقل عبر أسطح منازل الآخرين. الخصوصية والتواصل الاجتماعي ليسا نقيضين هنا؛ بل هما متداخلان من خلال التصميم.

لقد نجح الفيلم في تجسيد ذلك بشكل رائع.

يركض طفل على سطح منزل جاره كما لو كان ملعبًا، لأنه كذلك بالفعل. تنشر امرأة الغسيل بجوار مدخنة منزل العائلة في الأسفل. يتوقف الرجال خلف الجدران المشتركة ليتحدثوا. ينتشر الضباب في الأزقة السفلية. تفوح رائحة حساء الأعشاب والعدس والسبانخ والمعكرونة المصنوعة يدويًا في الهواء البارد.

هناك عبارة في الفيلم تقول إن الجبل لا يعيق الحياة اليومية هنا، بل ينظمها.

هذا صحيح تمامًا. وهو صحيح في جوانب أوسع من مجرد الهندسة المعمارية. فالمساكن تُعلّم رؤيةً للعالم. أنت لا تُسوّي سفوح التلال، بل تتعلم الانتماء إلى تضاريسها. أنت لا تُطالب بتسهيل الحياة على الأرض، بل تبني حياةً تُقدّر ما تُتيحه لك.

بالانغان: قرية تقع بين جدران الوادي

إيرانتريد | eTurboNews | إي تي إن
إيران: الحياة القروية الهادئة الخفية التي لا يتحدث عنها أحد

يعيش سكان بالانجان على جبهتين متقابلتين من الصخور، ويجري أسفلهما نهر، وتغذي الينابيع المعدنية قنوات عبر المستوطنة.

حتى في ملخصها، تبدو القصة غير محتملة. وعلى الشاشة، تبدو أشبه بالأسطورة. لكن الفيلم الوثائقي يربطها بالواقع اليومي. تنزل النساء لجلب مياه الينابيع ويتوقفن عند بيوت أخرى على طول الطريق. يعود الرجال بسمك السلمون المرقط من قنوات المياه الباردة. يُشوى السمك على خشب الجوز في شرفات حيث تجتمع العائلات في الهواء الطلق. تفوح رائحة دخان الخشب وسمك النهر في الوادي قبل أن تبدأ الوجبة نفسها.

ثم هناك الصوت.

يُحتسى الشاي قرب حافة الماء، حيث يجب على الأصوات أن تقترب بشدة لتُسمع فوق صوت التيار. تنتشر القصائد الكردية المُغناة، فتصطدم بجدار الوادي المقابل، ثم تعود وقد تغيّرت بفعل الجبل. إنها إحدى أجمل ملاحظات الفيلم: صوتٌ ينتمي للحظات إلى المشهد الطبيعي قبل أن يعود إلى الشخص الذي غنّاه أولًا.

في مشاهد كهذه، يحوّل الفيلم الوثائقي الجغرافيا إلى جوٍّ مميز، والجوّ إلى شعور. إنه يجعل المشاهد يدرك أن الحياة في المناطق النائية ليست حياة فارغة، بل هي مليئة بالتفاصيل الصوتية، والنسيج، والتفاعلات الاجتماعية التي نسيت المدينة الحديثة إلى حد كبير كيف تلاحظها.

أورامان تخت: تدفئة مشتركة، عمل مشترك

يرتفع أورامان تخت من جبال زاغروس كعرش منحوت.

بُنيت منازلها على شكل طبقات متراجعة من الحجر الجيري الجاف المرصوص، والمثبت بعوارض من خشب الجوز، مصممة لتتحرك قليلاً مع الأرض بدلاً من مقاومتها بشدة. وهذا بحد ذاته درس في التواضع أمام الأرض. لكن الفيلم لا يركز على الهندسة كمفهوم مجرد بقدر ما يركز على كيفية تشكيل العمارة للمجتمع.

تربط ممرات حجرية كل منزل. يُنقل الحطب يدويًا. تتحول الشرفات المفتوحة إلى أماكن للتجمع والطهي وإقامة الاحتفالات. خلال مهرجان بير شاليار الشتوي، تُطهى أوانٍ فخارية ضخمة مليئة بلحم الضأن والجوز البري على نار هادئة بشكل جماعي، حيث تُساهم كل عائلة بجهدها لا بمكوناتها. لا ينتمي الطبق إلى أي عائلة بعينها لأن الجهد كان جهدًا جماعيًا.

إنها فكرة اجتماعية عميقة متأصلة في الحياة المادية.

ليس مجرد مشاركة، بل بناء مشترك. ليس صدقة، بل هيكل متبادل. قرية تُبنى بالعمل والدفء والصوت والالتزام. هذه أشكال من الوفرة غالباً ما يخطئ فيها العصر الحديث في اعتبارها إزعاجاً.

أبيانة: القرية الحمراء حيث يُقوّي المطر الجدران

تبدو أبيانة للوهلة الأولى وكأنها مرسومة على سفح الجبل.

يستمد لونها من أكسيد الحديد الموجود في الطين والحجر المحليين، بتركيز عالٍ لدرجة أن القرية تبدو من زوايا معينة وكأنها جزء لا يتجزأ من الأرض تحتها. لكن الأمر المثير للدهشة ليس مظهرها فحسب، بل سلوكها أيضاً. فالمطر يُقوّي هذه الجدران بدلاً من أن يُعرّضها للتآكل. وكل عاصفة تُزيد القرية قوة.

من الصعب ألا نسمع استعارة في ذلك.

في الداخل، لا تزال التقاليد حاضرة في تفاصيل دقيقة يصعب على الحنين إلى الماضي اختلاقها. ترتدي النساء أغطية رأس بيضاء مزينة بالورود وتنانير متعددة الطبقات في حياتهن اليومية، وليس فقط خلال المهرجانات. ولا تزال الأبواب الخشبية مزودة بمقابض منفصلة تصدر أصواتًا مختلفة للزوار من الرجال والنساء. وتتحول أسطح المنازل في الصيف إلى حقول لتجفيف المشمش والعنب والتين وبذور الرمان التي ستكفي الأسر طوال فصل الشتاء.

يُبرز الفيلم الوثائقي هذه اللفتات الصغيرة بشكلٍ خاص، مُدركاً أن الثقافة لا تقتصر على الاحتفالات فحسب، بل تتجلى في كل تفاصيل الحياة اليومية، من صباحات الثلاثاء إلى الأزياء المُستخدمة في الأسواق، مروراً بكيفية تناول السكر مع الشاي، وصولاً إلى جمال تجفيف الفاكهة تحت أشعة الشمس على طريق جبلي شاهق.

ميماند وماخونيك: العيش بالقرب من الأرض

في ميماند، لا تزال الغرف المنحوتة في الحجر الرملي مأهولة موسمياً، لا كمعروضات متحفية بل كمساكن أجداد. تُطوى البطانيات على حواف حجرية، وتستقر الأواني في تجاويف المواقد القديمة، ويرسم الأطفال على جدران الكهوف. تعود العائلات في الشتاء وتتنقل عبر المساحات المنحوتة بثقة متوارثة: هذا الكوة للحبوب، وهذا القطع للتهوية، وهذا الجدار للدفء.

الفيلم حكيم بما يكفي لعدم تصوير الكهوف بصورة غريبة. إنه يُظهرها ككائنات ذكية حية.

في ماخونيك، يتخذ هذا الذكاء شكلاً آخر. هنا، تُبنى المنازل جزئياً تحت الأرض، بأبواب صغيرة تتطلب من كل من يدخلها الانحناء. السبب العملي هو التحكم في درجة الحرارة والحماية؛ أما الأثر العاطفي فهو التواضع. يدعو التصميم المعماري الجسد إلى الاعتراف بالعتبة. في الداخل، يتحكم الموقد المركزي في كل الترتيب. الغرفة صغيرة جداً بحيث لا تسمح بالتباعد. تجتمع العائلة على مقربة لأن الهندسة لا تترك خياراً آخر.

يصف الفيلم الوثائقي ثقافة الطعام في ماخونيك بأنها تعبيرٌ متطرف عن الاكتفاء الذاتي، ونظامٌ مصممٌ لتقليل الحاجة إلى أي شيء من خارج الوادي قدر الإمكان. لكنه لا يصوّر ذلك على أنه حرمان، بل يصوّره على أنه فلسفة اكتفاء ذاتي جميلة.

إن هذا التمييز مهم.

ما تعرفه هذه القرى ينساه العالم الحديث

في جميع المستوطنات السبع، يظهر الدرس نفسه بأشكال مختلفة.

لم تسعَ أيٌّ من هذه المجتمعات إلى السيطرة على الأرض. لم تُسوِّي ما كان صعبًا، ولم تُغيِّر مسار ما كان غير ملائم، ولم تفرض تخطيطًا شبكيًا حيثما رفضت الأرض ذلك. بل تعلَّموا سلوك المواد المحلية. وراقبوا الرياح والشمس والأمطار والانحدار ودرجة الحرارة والحركة الزلزالية. لم يبنوا من أجل المظهر، بل من أجل البقاء على مر الزمن.

يُوفر الحجر البركاني في كاندوفان عزلاً حرارياً. ويتصلب الطين الغني بالحديد في أبيانة مع هطول الأمطار. ويمتص الحجر الجيري في أورامان الحركة عبر فواصله. وتُساهم أسقف كهوف ميمند الداكنة بفعل السخام في تعزيز البيئة الداخلية وتنظيمها. أما منحدر ماسولة، فلا يُصبح عائقاً، بل المبدأ المُنظم للمستوطنة بأكملها.

هذا ليس إبداعاً وليد الصدفة، بل هو ذاكرة حضارية.

هذا ما يحدث عندما يبقى شعب في مكان واحد لفترة كافية ليفهم ليس فقط كيفية الصمود، ولكن أيضًا كيفية جعل الصمود أنيقًا.

وهناك درس آخر أيضاً: الاعتماد المتبادل ليس مجرد إضافة أخلاقية في هذه القرى، بل هو أساس البقاء نفسه. فالأسطح ممرات مشتركة، والجدران تنقل الحرارة بين المنازل، ومجاري المياه تربط الناس ببعضهم. ويتم توزيع العمل لأن أي أسرة لا تستطيع إدارة كل شيء بمفردها في ظل هذه الظروف.

غالباً ما يُنظر إلى الصمود في الحياة المعاصرة على أنه استقلال. لكن هذه القرى تُشير إلى عكس ذلك تماماً، فالتماسك هو ما يُبقي الإنسان على قيد الحياة.

العالم ليس فقط ما يتصدر الأخبار

لعل هذا هو السبب في أن هذا الفيلم الوثائقي لاقى صدىً قوياً لدى المشاهدين. إنه يوفر الراحة، نعم، لكنه ليس هروباً من الواقع، بل شيئاً أعمق.

إنه يعيد التناسب.

يذكّر هذا المشاهد بأن الأمة لا تنضب أبداً من الرواية الأكثر شيوعاً عنها. فبالرغم من لغة السياسة والصراع، لا تزال هناك أماكن تشكلت بفعل الزمن المنزلي، والحرف الموروثة، والاتفاقيات البيئية القديمة، وأنظمة الغذاء، والطقس، والقرابة، والجدران التي صمدت عبر القرون.

كما يذكرنا ذلك بأن "البعيد" ليس مجرد مسألة أميال.

قد تكون الحرب بعيدة لأن أقرب ما يشغل البال هو نار المساء.
لأن الطريق طويل والإشارة ضعيفة.
لأن الجبل ينظم اليوم بقوة أكبر من الدولة.
لأن ما يجب فعله قبل غروب الشمس أهم من كلام المحللين عند الظهر.
لأن الأسرة لا تزال مضطرة لتجفيف الفاكهة على السطح، وجلب الماء من النبع، وتقليب الحساء، وإصلاح الجدار، وغسل الأكواب، وإحضار الأطفال.

هذا ليس جهلاً، بل هو حجم المشكلة.

ويغير الحجم كل شيء.

من منظور الأنظمة العالمية، قد تبدو هذه القرى هامشية. أما من منظور الحياة، فهي محورية. فهي تحافظ على معارف حول المناخ والمواد والمجتمع والتكيف البشري، وهي معارف لا يزال العالم، في كثير من النواحي، في بداية إعادة تعلمها.

حقيقة مؤثرة، منقوشة على الحجر

إن ما يبقى عالقاً في الذاكرة بعد انتهاء الفيلم ليس مجرد إعجاب بصري، بل هو امتنان.

أنا ممتن لوجود مثل هذه الأماكن حتى الآن.
أشعر بالامتنان لأن أحدهم خصص وقتاً للنظر إليها بعناية.
الحمد لله أنه تحت كل هذه الروايات السطحية، تبقى إيران أخرى مرئية لأي شخص مستعد لرؤية أكثر من مجرد عنوان رئيسي.

إيران ذات مطابخ جبلية وعتبات حجرية.
من أغاني الوادي ودخان الجوز.
تجفيف الفاكهة على أسطح المنازل.
أطفال يركضون حيث تتحول الأسطح إلى شوارع.
من غرف الكهوف التي لا تزال دافئة من حرائق الشتاء.
جدران لا تنهار في المطر، بل تزداد قوة.
من بين الناس الذين ما زالوا، هذه الليلة، يطبخون العشاء في الصخرة.

في تلك الصورة شيء يبعث على الدفء بشكل عميق، وربما يكون ضرورياً للغاية.

لأن العالم الحديث أصبح بارعاً جداً في الانقطاع لدرجة أن الاستمرارية قد تبدو أشبه بالمعجزة.

لكن ها هو ذا.

لم تكن بمنأى عن التاريخ، بل تشكلت بفعله.
ليس متجمداً في الزمن، بل يعيشه.
ليس خارج العالم، ولكن خارج الطريقة الضيقة التي يُوصف بها العالم في كثير من الأحيان.

وهكذا، فإن هذه القرى تقدم أكثر من مجرد جمال، فهي تقدم تصحيحاً.

يخبروننا أن العالم ليس هو الشيء الوحيد الذي يثير قلقنا.
وهو أيضاً ما يبقى.

إنها اليد التي تُصلح الجدار.
الغلاية على الجمر.
الطفل على ممر السطح.
المدخل القديم الذي صقلته الأجيال حتى أصبح أملساً.
الوجبة المشتركة.
أمسية هادئة.
القرية التي لا تزال تتناسب مع الجبل.
اشتعلت النار مرة أخرى.

بعيدًا عن العناوين الرئيسية، وبعيدًا عن المدينة، وبعيدًا عن التوق الحديث للاضطراب المستمر، لا تزال هناك إيران حيث تستمر الحياة كما كانت عليه الحال لمئات الأجيال.

وفي تلك القرى الخفية، لا يزال العالم، بالمعنى الأعمق، بخير.

عن المؤلف

يورجن تي شتاينميتز

عمل يورجن توماس شتاينميتز باستمرار في صناعة السفر والسياحة منذ أن كان مراهقًا في ألمانيا (1977).
أسس eTurboNews في عام 1999 كأول نشرة إخبارية عبر الإنترنت لصناعة سياحة السفر العالمية.

اترك تعليق

انقر للاستماع إلى النص المميز!