لقرون، أوزبكستان تقع هذه المنطقة عند ملتقى الحضارات. ازدهرت مدن القوافل القديمة، سمرقند وبخارى وخيوة، كجواهر طريق الحرير، رابطةً بين الصين وبلاد فارس والشرق الأوسط وأوروبا. واليوم، تسعى هذه الدولة الواقعة في آسيا الوسطى إلى إعادة ابتكار نفسها: تحويل نفسها من دولة ما بعد الاتحاد السوفيتي المعزولة نسبيًا إلى واحدة من أسرع أسواق السياحة نموًا في أوراسيا.
يكمن جوهر تلك الاستراتيجية في قطاع الطيران.
أمضت حكومة الرئيس شوكت ميرزيوييف العقد الماضي في تيسير إجراءات التأشيرات، وتحديث المطارات، وتوسيع نطاق المنافسة بين شركات الطيران، وتسويق أوزبكستان كبوابة بين الشرق والغرب. وقد بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها الملموسة، إذ ارتفع عدد الزوار الدوليين من حوالي مليون زائر في عام 2016 إلى نحو ثمانية ملايين زائر في عام 2024، وفقًا لبيانات التجارة الدولية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من النمو السريع، لا تزال طموحات أوزبكستان السياحية تواجه عقبات كبيرة: اختناقات في البنية التحتية، وتفاوت في معايير الخدمة، ونقص في الطائرات، ومنافسة إقليمية شرسة من مراكز الخليج ودول آسيا الوسطى المجاورة.
من العزلة السوفيتية إلى إحياء طريق الحرير
في ظل الحكم السوفيتي، كانت السياحة في أوزبكستان خاضعة لرقابة مشددة، واقتصرت إلى حد كبير على الرحلات الداخلية المنظمة. وتم الحفاظ على المدن التاريخية كمعالم ثقافية أكثر منها كوجهات سياحية عالمية. بعد الاستقلال عام ١٩٩١، عانت البلاد من سياسات تأشيرات مقيدة، واستثمارات أجنبية محدودة، وضعف في التواصل الدولي.
جاءت نقطة التحول بعد عام 2016، عندما فتحت إصلاحات اقتصادية شاملة البلاد أمام الزوار الأجانب. فقد أقرت أوزبكستان دخولاً بدون تأشيرة لعشرات الدول، وبسطت إجراءات التأشيرة الإلكترونية. وأصبح قطاع السياحة ركيزة استراتيجية للتنويع الاقتصادي.
نجحت الاستراتيجية. فقد ازداد الوعي العالمي بأوزبكستان بسرعة من خلال حملات إعلامية دولية، وتسويق عبر المؤثرين، والترويج السياحي للتراث الذي تقوده اليونسكو. وأصبحت المعالم المعمارية للبلاد - ولا سيما ساحة ريجستان في سمرقند - محوراً أساسياً لجهودها التسويقية.
لكن سرعان ما أدرك صناع السياسات أن نمو السياحة يعتمد على شيء أكثر عملية من مجرد الشعارات التسويقية: الوصول الجوي.
الطيران كمحرك للسياحة
إن جغرافية أوزبكستان تجعل الطيران أمراً لا غنى عنه. فنظراً لكونها دولة حبيسة وبعيدة عن أسواق السياحة العالمية الرئيسية، فإنها تعتمد بشكل كبير على الربط الجوي لجذب الزوار.
ويجادل الباحثون الذين يدرسون العلاقة بين الطيران والسياحة في أوزبكستان بأن القطاعين "يعتمدان على بعضهما البعض"، حيث يمثل النقل الجوي المحفز الحاسم لنمو عدد الزوار الدوليين.
لسنوات طويلة، هيمنت شركة الطيران الحكومية "أوزبكستان إيرويز" على قطاع الطيران في أوزبكستان، حيث سيطرت على معظم حركة النقل الجوي الدولي. وكثيراً ما وصف النقاد السوق بأنها باهظة الثمن ومحدودة وغير تنافسية بما فيه الكفاية.
وهذا يتغير الآن.
قامت الحكومة تدريجياً بتحرير قطاع الطيران، مشجعةً شركات الطيران الجديدة وفاتحةً المطارات أمام شركات الطيران الأجنبية. وأصبح مطار سمرقند الدولي محوراً أساسياً لهذه الاستراتيجية بعد أن ضاعف مشروع إعادة إعمار ضخم اكتمل في عام 2022 طاقته الاستيعابية للمسافرين ثلاث مرات. كما تم تطبيق نظام "الأجواء المفتوحة" في وقت لاحق من ذلك العام بهدف جذب المزيد من شركات الطيران الدولية وتحفيز المنافسة في قطاع السياحة.
في الوقت نفسه، تشهد أوزبكستان ظهور شركات طيران خاصة ومنخفضة التكلفة. وقد أُطلقت شركة سيلك أفيا لتعزيز السياحة الداخلية والربط الإقليمي، بينما تمثل شركة سنتروم إير قطاع الطيران الخاص المتنامي في البلاد.
كما شهدت شركة الطيران الوطنية نفسها توسعاً كبيراً. فقد قامت الخطوط الجوية الأوزبكية بتحديث أسطولها بطائرات بوينغ 787 دريملاينر وإيرباص A321neo، بالإضافة إلى إضافة خطوط دولية جديدة عبر آسيا والشرق الأوسط وأوروبا.
إنشاء مركز لآسيا الوسطى
لا يقتصر طموح أوزبكستان طويل الأمد على السياحة فحسب، بل ينظر المسؤولون بشكل متزايد إلى البلاد كمركز إقليمي محتمل للطيران يربط أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
تُفسر هذه الرؤية الاستثمار الضخم في البنية التحتية للمطارات. ويستمر مطار طشقند الدولي في التحديث، بينما يجري ترسيخ مكانة سمرقند كبوابة سياحية ونقطة عبور إقليمية.
كما تعمل الحكومة بقوة على توسيع الاتفاقيات الجوية الثنائية. فقد اتفقت الصين وأوزبكستان مؤخراً على زيادة عدد الرحلات الجوية الأسبوعية من 46 إلى 60 رحلة، بينما أعلنت روسيا وأوزبكستان عن خطط لزيادة عدد الرحلات الجوية بشكل كبير.
كما تظهر روابط دولية جديدة في أماكن أخرى من المنطقة. فقد أعلنت الخطوط الجوية العمانية عن خدمات جديدة بين مسقط وطشقند تبدأ في عام 2026، مما يعكس الاهتمام المتزايد لدول الخليج بأسواق السياحة والعبور في آسيا الوسطى.
يأمل مخططو السياحة أن تعمل هذه الروابط على تنويع تدفقات الزوار إلى ما هو أبعد من الأسواق الروسية التقليدية وأسواق رابطة الدول المستقلة، وخاصة باتجاه الصين ودول الخليج وكوريا الجنوبية وأوروبا.
التحديات الكامنة وراء قصة النمو
على الرغم من التفاؤل، لا يزال ازدهار السياحة في أوزبكستان هشاً.
تُعدّ جودة الخدمات إحدى المشكلات المستمرة. ويحذر المحللون من أن الدولة تُخاطر بإعطاء الأولوية لحجم الزوار على حساب معايير السياحة المستدامة. ولا يزال التدريب على الضيافة، والخدمات متعددة اللغات، والبنية التحتية السياحية المتميزة غير متسقة خارج المدن الكبرى.
تُعدّ القيود المفروضة على قطاع الطيران مصدر قلق بالغ آخر. فرغم الارتفاع السريع في أعداد المسافرين، تواجه شركات الطيران نقصاً في الطائرات وتأخراً في تسليمها. حتى الخطوط الجوية الأوزبكية أقرت بأن الطلب يفوق الطاقة الاستيعابية.
يشكل الازدحام في المطارات، وخاصة في طشقند، تهديداً للتوسع المستقبلي. وقد أكدت دراسات سابقة على الحاجة إلى مرافق مطارات أكبر وأكثر تطوراً من الناحية التكنولوجية، قادرة على دعم بيئة أجواء مفتوحة حقيقية.
وتشتدّ المنافسة أيضاً. تعمل كازاخستان على توسيع نطاق استخدام ألماتي وأستانا كمركزين إقليميين، بينما تواصل شركات الطيران الخليجية هيمنتها على حركة النقل الجوي لمسافات طويلة بين أوروبا وآسيا. ويتعين على أوزبكستان أن تنافس ليس فقط كوجهة سياحية، بل أيضاً كسوق ربط جوي.
وهناك أيضاً مخاطر جيوسياسية أوسع نطاقاً. لا يزال قطاع السياحة في آسيا الوسطى حساساً لعدم الاستقرار الإقليمي، وتقلبات العملة، والتحولات في الطلب الروسي على السفر إلى الخارج.
الخطط المستقبلية: ما وراء السياحة التراثية
تهدف المرحلة التالية من تطوير السياحة في أوزبكستان إلى تجاوز مسارات طريق الحرير الكلاسيكية.
تُولي الاستراتيجيات الحكومية اهتماماً متزايداً بالسياحة البيئية، وسياحة الجبال، وفنون الطهي، والحج الديني، والسفر الفاخر. وقد صُممت منتجعات التزلج، مثل منتجع أميرسوي الذي تم تطويره باستثمارات دولية، لجذب الزوار الإقليميين ذوي الإنفاق العالي على مدار العام.
وضع المسؤولون أهدافاً طموحة في إطار استراتيجية التنمية لأوزبكستان 2030: 15 مليون سائح أجنبي سنوياً وعائدات تصدير سياحية بقيمة 5 مليارات دولار.
يعتمد تحقيق هذه الأهداف بشكل كبير على استمرار إصلاحات قطاع الطيران. ويقول مراقبو الصناعة إن القدرة التنافسية المستقبلية للبلاد تتوقف على تحرير أكبر للقطاع، ومنافسة أقوى بين شركات الطيران، ومطارات أكثر كفاءة.
الرؤية الأوسع واضحة. لم تعد أوزبكستان ترغب في أن يُنظر إليها كمجرد متحف لطريق الحرير القديم. بل تطمح لأن تصبح ملتقى السياحة والطيران الحديث في آسيا الوسطى، وجسراً يربط بين القارات والثقافات على حد سواء.
قد يعتمد نجاح هذا التحول في نهاية المطاف على مدى فعالية ربط الدولة لماضيها المجيد بالواقع اللوجستي للسفر العالمي في القرن الحادي والعشرين.



اترك تعليق